القرطبي
240
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال عطاء بن السائب : ذكرت للشعبي قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ لا يدخل الجنة سافك دم ، ولا مشاء بنميمة ، ولا تاجر يربي ] فقلت : يا أبا عمرو ، قرن النمام بالقاتل وآكل الربا ؟ فقال : وهل تسفك الدماء ، وتنتهب الأموال ، وتهيج الأمور العظام ، إلا من أجل النميمة . وقال قتادة وغيره : كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر . ثم كانت مع كثرة ما لها تحمل الحطب على ظهرها ، لشدة بخلها ، فعيرت بالبخل . وقال ابن زيد والضحاك : كانت تحمل العضاه والشوك ، فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقاله ابن عباس . قال الربيع : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير . وقال مرة الهمداني : كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة ( 1 ) من الحسك ( 2 ) ، فتطرحها على طريق المسلمين ، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت ، فقعدت على حجر لتستريح ، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها . وقال سعيد بن جبير : حمالة الخطايا والذنوب ، من قولهم : فلان يحتطب على ظهره ، دليله قوله تعالى : " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " ( 3 ) [ الانعام : 31 ] . وقيل : المعنى حمالة الحطب في النار ، وفيه بعد . وقراءة العامة " حمالة " بالرفع ، على أن يكون خبرا " وامرأته " مبتدأ . ويكون " في جيدها حبل من مسد " جملة في موضع الحال من المضمر في " حمالة " . أو خبرا ثانيا . أو يكون " حمالة الحطب " نعتا لامرأته . والخبر " في جيدها حبل من مسد " ، فيوقف ( على هذا ) على " ذات لهب " . ويجوز أن يكون " وامرأته " معطوفة على المضمر في " سيصلى " فلا يوقف على " ذات لهب " ويوقف على " وامرأته " وتكون " حمالة الحطب " خبر ابتداء محذوف . وقرأ عاصم " حمالة الحطب " بالنصب على الذم ، كأنها اشتهرت بذلك ، فجاءت الصفة للذم لا للتخصيص ، كقوله تعالى : " معلونين أينما ثقفوا ( 4 ) " ، وقرأ أبو قلابة " حاملة الحطب " .
--> ( 1 ) الإبالة : الحزمة الكبيرة . ( 2 ) الحسك ، نبات له ثمرة ذات شوك تعلق بأصواف الغنم والسعدان . ( 3 ) آية 31 سورة الأنعام . ( 4 ) آية 61 سورة الأحزاب .